محمد جواد مغنية

143

في ظلال نهج البلاغة

وأثقال من اغتر به . . وقد يملك أهل الضلال من دنياهم الجاه والمال ، ولكن هذا الملك يعود عليهم بالخسران والوبال حيث يجعلهم عبيدا لأكثر من إله ، ويورثهم جبنا في الحق وانغماسا في المراوغة والباطل . . أما الرجل الثاني فهو الذي أشار اليه الإمام بقوله : ( ورجل قمش جهلا ) . ويلتقي مع الأول في الفساد والضلال حيث أسلس الأول قياده للنفس الأمارة ، والثاني يقوده العمى والجهل ، والنتيجة واحدة ، وهي الخذلان والخسران ( موضع ) بضم الميم وكسر الضاد ، أي مسرع ( في جهال الأمة ) . يمضي بهم في التضليل ويزيدهم جهلا على جهل ، وينطبق هذا الوصف على أكثر المعممين في عصرنا . . تجالس أحدهم فلا تشم منه عبير الإيمان واليقين ، ولا ترى على حديثه نور العلم والذكاء ، ولا تلمسه منه غير السخف والجهل ، ومع هذا يحب الشهرة ويحن إليها ، ويشتريها بكل ثمن . ( عاد ) من العدو السرعة ( في أغباش الفتنة ) أي ظلمات الجهل والأباطيل ، يسرع فيها تائها لا يدري أين المصير ( عم بما في عقد الهدنة ) . اختلف الشارحون في تفسير هذه الجملة على أقوال لا تركن النفس إلى شيء منها ، والذي نفهمه نحن ، ان الشريعة الاسلامية الانسانية تقوم على أسس عديدة ، أهمها وأدقها رعاية المصلحة ودفع المفسدة ، لأن أحكام الإسلام تبتني بكاملها على هذا الأساس ، وقد يكون في الحادثة أو الفعل مصلحة من جهة ومفسدة من جهة ثانية ، وعندها لا مفر من عملية الموازنة بين رعاية المصلحة ودفع المفسدة ، وتقديم الأهم على المهم ، فإن كان درء المفسدة أوجب تجاهلنا المصلحة ، وعقدنا الهدنة والمصالحة مع المفسدة إلى أن تحين الفرصة وتسنح ، والشرط الأول فيمن يجري عملية الموازنة ان يكون من العارفين الحكماء . ( قد سماه الناس عالما وليس به ) . يستعمل الإمام ( ع ) كلمة أشباه الناس وأشباه الرجال في الجهلاء الذين لا يميزون بين ما يضرهم وينفعهم ، وفي الجبناء الذين يتهربون من الجهاد والكفاح من أجل حريتهم وكرامتهم ، وليس في هذا الاستعمال كناية وتجوز ، لأن الرجل مأخوذ من الرجولة التي تومئ إلى الشجاعة والصبر على الشدائد ، ومن أقوال الإمام : « قدر الرجل على قدر همته » . ( بكَّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير مما كثر ) . كل ما يحرز الانسان